الثقة الإبداعية: نقطة البداية لحياة مليئة بالإبداع و التجارب


تخّيل!

تخيل معي عزيزي القارئ أننا مازلنا اليوم لا نملك جهاز حاسب آلي في كل منزل ! ولا نعرف ما هو الأيفون أو أي نوع آخر من الهواتف الذكية !

برأيك كيف ستكون طريقة عملنا و وصولنا إلى المعلومات و ما هو تأثير هذه الصورة المخيفة بالنسبة لي على الأقل؟” على حياتنا اليومية؟


قد ينسب البعض فضل وجود هذه المنتجات في حياتنا اليومية إلى ستيف جوبز مؤسس شركة أبل، ولكن و على الرغم من كثرة إستخدام قصصه الإسطورية والمبالغ فيها في بعض الأحيان، إلا أنني كلما أتعمق في قراءتي لهذه القصص و ربط الأحداث ببعضها البعض يزداد إدراكي لحجم التأثير الذي يمكن لشخص واحد أن يقوم به لتغيير أسلوب حياة الملايين من الأشخاص.


ستيف جوبز (على الرغم من الجدل الكبير حول شخصيته) عرف بثقته العجيبة بنفسه وقدرته على رؤية الفرص و إلهام فريق عمله لتحدي كل الطرق التي يمكن استخدامها في تطوير أي منتج، كل هذا وهو لم يمتلك أي مهارة في التصميم والهندسة إطلاقاً !.

أدرك جوبز أن لديه قدرة تميزه عن غيره من المنافسين والتي تكمن في تطوير و تعديل الاختراعات و الابتكارات الموجودة وإعادة تصميمها بشكل مبسط و أقل تعقيداً!

هذه التعديلات البسيطة ساهمت في أن يتم تسجيل أكثر من ٣٠٠ براءة إختراع تحت إسمه حتى الآن وأهمها كانت في سنة ١٩٨٣ بعنوان مختصر جداً “الحاسب الشخصي Personal Computer“.

ثقة ستيف جوبز جعلته و بكل جرأة يسعى لمواجهة عملاق التقنية في ذلك الوقت شركة IBM و أن يكون حلمه هو وضع جهاز حاسب آلي في كل منزل فقط لإيمانه بأن هذا الجهاز الصغير سوف يجعل الإنسان المخلوق الأكثر إبداعاً وكفاءة على وجه الأرض !

 

  • خذ جزءاً من وقتك و راقب الأشياء التي تؤثر على حياتك بشكل يومي وحاول أن تعرف قصة إبتكارها ؟

  • هل تعتقد بأن أصحاب هذه الابتكارات لم تكن لديهم الثقة الكافية بقدراتهم ؟

  • ماذا لو لم يكن لأصحاب هذه الإبتكارات الجرأة الكافية لإتباع أحلامهم ! كيف سيكون واقعنا اليوم ؟

  • كيف استطاع ستيف جوبز و غيره من المبتكرين الحصول على هذه الثقة؟  و هل هي فعلاً مهمة في عملية الابتكار ؟

ماهي الثقة الإبداعية؟

 

في مقالة رحلة الإبداع إتفقنا على مبدأ رئيسي وهو أننا كلنا ولدنا مبدعين! و هذا شئ جميل لكن وجود هذه الصفة الإنسانية غير كافي بحد ذاته لبدء العملية الإبداعية و الوصول إلى منتجات و خدمات مبتكرة لاحقاً.


العملية الإبداعية كأي مهارة أخرى تحتاج إلى أدوات و تدريب مستمر لصقلها ولكنها لن تكون مجدية إذا لم توجد لدينا الثقة التامة بأننا نستطيع أن نبدع و نبتكر فعلياً!


و في كتاب الثقة الإبداعية و الذي كان مصدر الإلهام لكتابة هذه المقالة، قام الكاتبان توم و ديفيد كيلي المؤسسان لشركة الابتكار والتصميم الشهيرة IDEO و التي تتبنى اليوم حراك نشر ثقافة التفكير التصميمي حول العالم بتعريف الثقة الإبداعية على أنها ببساطة القدرة على إيجاد أفكار جديدة و الشجاعة على تجربتها و تنفيذها!


الثقة الإبداعية هي القدرة على إيجاد أفكار جديدة

و الشجاعة على تجربتها و تنفيذها!


بالنسبة للكاتبان فإن الثقة الإبداعية تعتبر “قلب عملية الابتكار” فالأشخاص الذين يمتلكون هذه الثقة لديهم فرصة أكبر لإيجاد الحلول و بالتالي النجاح و تغيير العالم من حولهم. هذه الثقة هي نتيجة تراكمية تبدأ بإيمان قوي ينبع من إدراكنا لأماكن ضعفنا قبل قوتنا و بأننا قادرون على صنع فرق و ترك الأثر الذي نريد رؤيته في حياتنا!  

لماذا نحتاج إلى الثقة الإبداعية:

 

إذا أخذنا عينة من الشباب اليوم الذين قضوا ١٢ عاماً على الأقل في مقاعد الدراسة و مستعدون الان لبدء الحياة الجامعية و العملية و قمنا بسؤالهم أسئلة البسيطة مثل :

  • ما هي مواهبك ؟

  • ما الذي يميزك ؟

  • ماهو التخصص الجامعي الذي تريده ؟

  • ماهي المهنة التي تريد العمل بها ؟


في توقعي ستكون النتيجة في الغالب هي ” لا أعرف !!”

هذا الجواب و على الرغم من كونه لا يتعدى أحرف قليلة إلا أن تأثيره على مجتمعاتنا و مستقبلنا يمكن أن يكون بدون مبالغة كارثياً !

السبب في ذلك أن كلمات مثل “ما أعرف” و “مشي حالك” و “كلنا كنا كدة” التي طبعَت في عقول العديد منا أن الإبداع في مجال معين و فهم ذواتنا بشكل أفضل هو ميزة لفئة معينة من الناس أو شئ غير ضروري! ستؤدي بطبيعة الحال إلى تخريج أجيال من الأشخاص الغير واثقين بقدراتهم و ليس لديهم أهداف و مشاكل يريدون حلها في هذا العالم !


لهذا السبب سيكون لدينا معلمون “مش فاضيين” لتعليم الطلاب و حلمهم أن يصبحوا رجال أعمال مثلاً ! و سيكون لدينا أطباء درسوا وتخرجوا بأفضل الشهادات فقط لأن درجاتهم كانت فلكية أيام المدرسة! وليس بسبب شغفهم في تحسين حياة الناس ! ” أحياناً يشعرك بعض الأطباء عند زيارتهم بالذنب لأنك مرضت و اضطررت للذهاب إليهم !“ أيضاً و سيكون لدينا مهندسون من نوعية “كلو رايح !

و موظفين يتسابقون بشكل أسرع من البطل الأولمبي بولت للوصول إلى جهاز البصمة عند إنتهاء الدوام يومياً!!!

في بحث لطلاب من جامعة أكسفورد، استنتج الباحثون بعمليات حسابية بسيطة أن معدل مايقضيه الفرد في الحياة الوظيفية بشكل عام هو تقريباً حوالي ٨٠،٠٠٠ ساعة ! هل برأيك ستكون هذه الساعات الطويلة و التي ستكون معظمها في فترة عز الشباب و الطاقة الإبداعية مثمرة و مليئة بالإنجاز و الإنتاجية إذا كنا ما زلنا “لا نعرف أنفسنا” و لا ندرك القدرات الهائلة التي أكرمنا الله عز وجل بها !


هل تأخر الوقت، بالطبع لا

سواءً كنت طالباً، موظفاً، رائد أعمال أو حتى على وشك التقاعد فيمكنك البدء اليوم في بناء ثقتك الإبداعية و بناء حياة مليئة بالتجارب و الإنجاز. 


كيف تبني ثقتك الإبداعية

 

١- غير عقليتك !

تعتقد باحثة العلوم النفسية في جامعة ستانفورد كارول دويك أن معظم البشر لديهم نوعان من عقليات التفكير و هي “عقلية الثبات” و ” عقلية النمو

عقلية “الثبات” تجعل أصحابها يعتقدون بأنهم و منذ ولادتهم ليس لديهم إلا مقدار محدد من الذكاء و المواهب “إذا وجدت أصلاً!” و لا يستطيعون أبداً تطوير هذه القدرات و بالتالي يفضلون دائماً التواجد في منطقة الراحة  Comfort Zone.

على النقيض، فإن أصحاب عقلية “النمو” لديهم قدرة عجيبة في تحدي أنفسهم و تطوير قدراتهم و عدم قبولهم للأشياء كما هي و يسعون دائماً للتواجد في منطقة الإبداع!


من الشروط الأساسية لبدء رحلتك في بناء ثقتك الإبداعية هي الخروج من عقلية “الثبات” و تبنى عقلية “النمو“ و الإيمان بأن قدراتك غير محدودة و ليست ثابتة و بأنك قادر على تعلم أي شئ تريد تعلمه وتجربة أي شئ تريده و أنك لن ترضى بأن تعيش حياة أقل مما تستحق.

٢- تجاوز الخوف

أحد الغرائز الأساسية التي ساعدت على بقاء البشرية إلى الآن هي غريزة “الخوف” و هي شئ أساسي في حالة مواجهتنا للمخاطر حولنا . المشكلة تبدأ إذا استخدمنا هذه الغريزة للهروب من كل شئ في حياتنا!


فالعديد منا يخاف من “كلام الناس” و يخاف من “الفوضى” و “المجهول” و عدم قدرته في “التحكم” في كل شئ!


خوفنا هو أكبر عائق يمنعنا من الوصول إلى ثقتنا الإبداعية وهو نتيجة لعوائق ذهنية و ضعناها لأنفسنا. في الغالب تكون هذه الإعتقادات سبباً لأن نتجمد في مكاننا و تمنعنا من القفز إلى مناطق جديدة.


إسأل نفسك دائماً ما هو أسوأ شيء ممكن أن يحصل لي؟ و ستكتشف أنك في حياتك غالباً قد تغلبت على مشاكل أكبر من ذلك بدون أن تدرك. فقط خذ بالأسباب و توكل على الله و إسمح لنفسك أن تفشل !

٣- راقب نفسك

في الكتاب الشهير “من جيد إلى عظيم” ذكر الكاتب جيم كولنز قصة حكى فيها عن طريقته في إكتشاف شغفه و قدراته بسبب تجربة قام بها في مرحلة الطفولة.

جيم كان طفلاً إنطوائياً متعلقاً بالعلوم والأبحاث بشكل كبير “يعني دافور ?”  و كان دائماً يحب مراقبة الحشرات في حديقة منزله و تدوين ملاحظاته عن هذه التجارب التي يراها يومياً. كبر جيم و مثل العديد منا كان يعاني من عدم معرفته لشغفه و ما هي المهنة التي يريد أن يعمل بها. تذكر جيم طريقته في الملاحظة عندما كان طفلاً و قرر أن يراقب نفسه لمدة عام كامل و تدوين ملاحظاته في يوميات قام بتسميتها ” حشرة تدعى جيم!”