رحلة الإبداع

هل نحن مبدعون ؟


تجربة بسيطة أحاول دائماً القيام بها في ورش العمل والبرامج التدريبية التي أقيمها في مجال الإبداع و الإبتكار المؤسسي وهي ببساطة أن أسأل الحضور بشكل سريع: من منكم يعتقد انه مبدع ؟

في معظم الأوقات عدد بسيط فقط يرفع يده، و في الغالب على استحياء شديد، فالعديد منا يعتقد بأنه إذا كان لا يعمل المجال الفني و مجال التسويق والإعلانات مثلاً ، فهو ليس إنساناً مبدعاً.

 

على الرغم من العدد البسيط الذي يعتقد بشكل جدي أنه إنسان مبدع بحق "من تجربتي البسيطة ?"، فمن الملاحظ أن كلمة "الإبداع" و "الابتكار"  أصبحت تستخدم بشكل كبير في حياتنا اليومية في السنوات القليلة الماضية و أصبحت من أكثر المصطلحات إنتشاراً "Buzz Word" و يتم إستخدامها في تسويق أي شئ تقريباً ...


 القادة و المدراء في أكبر المنظمات حول العالم يطالبون موظفينهم بأن يبدعوا و يبتكروا بشكل أكبر…


و أصبحت الدول تتنافس على مكانتها في مؤشرات الابتكار العالمية …

لكن لماذا كل هذه الضجة ؟ ما هو السر ؟


تعريف الإبداع و الابتكار 
 

قد لا يتفق إثنان على تعريف واحد للإبداع والابتكار ولكن لتبسيط الموضوع فلنأخذ قصة توماس اديسون المخترع الأمريكي المشهور كمثال لنستخلص منها التعريف الأكثر شمولية.

 

إديسون سجلت له أكثر من ٤٠٠ براءة اختراع و عرفه العالم بسبب اختراعه للمصباح الكهربائي? " في الواقع لم يكن إديسون أول شخص يحاول ذلك فقد كانت هناك محاولات عديدة قبلها على مدى ٧٠ عام"


الذي ميز إديسون عن غيره هو أنه وجد فكرة لصناعة المصباح الكهربائي بطريقة مختلفة و بمواد تساعد على إبقاء المصباح مضاءً لفترات أطول مقارنة بمن سبقوه في هذا المجال. إديسون وجد الإلهام من خلال دراسة التجارب القديمة والقيام بتجاربه الخاصة والتعلم منها وربط هذه المعلومات ببعضها للوصول إلى حل مختلف هذا هو أساس العملية الإبداعية! فنستطيع إذاً تبسيط مفهوم الإبداع على أنه آلية الوصول إلى أفكار جديدة تقوم على حل مشكلة معينة عن طريق ربط الأمور وتخيلها بمنظور مختلف.

الإبداع هو آلية الوصول إلى أفكار جديدة تقوم على حل مشكلة معينة

عن طريق تداخل أكثر من طريقة لربط الأمور وتخيلها بمنظور مختلف

 

بعد كل ذلك الجهد ما زالت هناك مشكلة كبيرة، فالمستفيد الوحيد من هذه الفكرة هو إديسون فقط و لا يوجد طريقة لإيصال هذا المنتج إلى الأسواق و تصنيعه بشكل كبير. وجد إديسون بعض الشركاء والمستثمرين وقاموا بتأسيس شركة سميت فيما بعد بـ General Electric والتي ساهمت في تصنيع هذا المنتج الإبداعي بشكل كبير و إيجاد نموذج عمل مربح له. اليوم لا أحد منا يستطيع تخيل العيش بدون هذا الشيء الزجاجي البسيط وأصبحت هذه الشركة من أكبر الشركات العالمية التي توظف قرابة نصف مليون إنسان حول العالم وأرباحها بمليارات الدولارات!


هذه العملية التعاونية التي ساهمت في تحويل فكرة إلى منتج مربح، ذو تأثير على حياة الناس هو ما نستطيع تسميته بالابتكار!

 

الابتكار هو آلية تعاونية تساعد على تحويل الأفكار الإبداعية إلى

منتجات وخدمات ذات قيمة و تأثير اقتصادي وإجتماعي


الإبداع و الابتكار أساس لكل نهضة حضارية، ثقافية و إقتصادية. تخيل معي عزيزي القارئ التأثير الذي حصل في حياتنا و كان سببه مجرد لمبة ؟


في بداية القرن الماضي، قام ابتكار الإضاءة الكهربائية بحل مشاكل كبيرة كان يواجهها الناس في تلك الفترة …


بالنسبة لنا، فالتحديات التي نواجهها اليوم هي التي ما زلنا لا نملك لها حلولاً بعد ! مشاكل إقتصادية، إجتماعية، تقنية، بيئية، إلخ …

و لكي نجد حلولاً لهذه المشاكل فإننا نحتاج إلى أن نفكر بطريقة مختلفة.


اليوم يحتاج عالمنا إلى بناء جيل من المبدعين و المبتكرين في مختلف المجالات لحل هذه المشاكل و التحديات.


لكن كيف نقوم بذلك ؟؟

و بالأخص إذا كنا نعتقد بأننا لسنا مبدعين و بأن الإبداع حق لفئة معينة من الناس فقط ؟!


خسارة قدراتنا الإبداعية

الباحث في سيكولوجية الإبداع ، روبيرت سترينبيرغ عرف الإبداع على أنه عادة أو مهارة يمكن اكتسابها و تنميتها، بل في الحقيقة هو شئ فطري أكرمنا به الله عز وجل لكي نعمر هذه الأرض و نتميز عن بقية المخلوقات الأخرى . المشكلة في العادة تكون في العوامل المحيطة بنا والتي إما أن تحفز وتشجع تطور هذه القدرة الإبداعية أو أن تزيلها كلياً!


خلال مراحل حياتنا، يمر الإنسان بمحطات كثيرة يتم فيها “استخلاص/إزالة” هذه الإمكانيات والقدرات الإبداعية. بيوتنا ومدارسنا وبيئات العمل التي نقضي فيها معظم أوقاتنا تعامل الإبداع أحياناً على أنه “عادة سيئة”


يكون الطفل في قمة ثورته الإبداعية في مرحلة قبل المدرسة، تساؤل، فضول، تجربة،مجازفة، فوضى ! و عند وصول هذا الطفل المليء بطاقات الإبداع سن السادسة والنصف تبدأ هذه الإمكانيات بالضمور تدريجياً. أدرك هذا الطفل الصغير أن معلمه يبحث فقط عن “الجواب الصحيح” أكثر من الأجوبة الجدلية أو القابلة لفتح باب للنقاش… 


أدرك أن الخطأ “عيب” وقد يؤدي إلى “تريقة” زملائه، أو “تهزيئة” من أحد والديه.


أدرك أنه سيكافأ إذا “سمع الكلام“و سيعاقب إذا ” لون على الجدران


أدرك أن معيار النجاح هو أن يجاوب على أكبر قدر ممكن من أسئلة الإمتحان “الذي تم تلقينه محتواه” بشكل صحيح.


أدرك أن قيمته في المجتمع، مستقبله، تخصصه الجامعي، وظيفته، دخله،كل ذلك يعتمد على درجة ستكتب في ورقة A4 !!

“كل الأطفال ولدوا فنانين، المشكلة هي أن يبقوا كذلك عندما يكبرون ” 

بابلو بيكاسو